السيد محمد بيرم الخامس التونسي

194

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

الرئيس الحكم عليه بالقتل أسر إلى وزير البحر بأن التذكرة التي بخطه في الأمر بإحراق الأسطول العثماني قد نسي أن يحرقها معه مثل ما أمر ، وحينئذ تحول المجلس إلى جلسة سرية ثم أطلق الرئيس وسيأتي في الكلام على الدولة العثمانية الباعث على ذلك التحامل على المسلمين ومآله الديانة وأن سياسة الدول الكبيرة في الخارج ليست كسياستهم الداخلية . ثم وردث الملك ويليم الرابع سنة 1830 وزاد القانون في أيامه تحسينا ونفوذا وأول سكة حديدية أنشئت في أول سنة من ولايته وألزمت الدولة عتق العبيد في الهند وعوضت أصحابهم بأثمانهم وكانت نحو عشرين مليونا ليرة ، واحتسبت إنكلاتيره على عتق العبيد في سائر الأقطار ترغيبا وترهيبا لأهلها ولا زالت على ذلك إلى الآن ، ثم ورثته الملكة فيكتوريا « 1 » سنة 1837 ه وهي الملكة الحالية وأعانت الدولة العثمانية على إخضاع مصر واسترجاع الشام منها وعلى حرب القريم ، فحاربت الروسيا وآلت الحرب إلى معاهدة باريس وحاربت الصين بالاتحاد مع فرنسا وأخضعت الهند من الثورة الهائلة بمعاضدة أفغانستان وخرج الهند من وقتئذ من تحت الشركة التجارية إلى الحكومة السياسية كما مر في المقدمة ، وتلقبت بإمبراطورة الهند ثم استولت على الأفغانستان ثم جعلتها مستقلة تحت نظارتها بعد أخذ أجزاء منها وحاربت الزلوس من بلاد الكفر بأفريقيا ، ثم صارت تلك المملكة تحت نظارتها وتداخلت في حرب الروسيا مع الدولة العثمانية عند عقد الصلح إلى أن أفضى إلى معاهدة برلين مع زيادة التقدم والغنى في داخلية المملكة الإنكليزية . مطلب في السياسة الداخلية بإنكلاتيره إعلم أن السياسة المستقرة الآن كان استتبابها سنة 1832 وأما أصولها فقديمة حسبما أشرنا إليه في التاريخ ، وهاته السياسة مبنية على اعتبار تسلط الملك ونفوذ الأعيان واحتساب الأواسط من الناس ، فكل من السلطات الثلاثة مرتبطة ببعضها وينتج منها إدارة المملكة مما يرضي الجميع ولا يتجاوز كل منهم حدوده مما يضر بغيره ، ولهذا كانت قوانين الإنكليز على نوع مغاير لبقية إدارات الأوروباويين من حيث الاشتراك في السلطة وعدم التساوي بين طبقات الرعية في الاعتبار ونيل الرتب مع إنالة الرعية غاية الحرية والأمن ، وتفصيل هاته الإدارة ومحل ارتباطها وانفرادها قد تكفل به كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك لخير الدين باشا التونسي بما يفيد عجائب أطوارهم واصطلاحهم فليرجع إليه من أراد البيان وإنما نقتصر هنا على الإلمام بكليات الإدارة فنقول : أما القسم الأول من ذوي السلطة : فهو الملك ، وله حدود مضبوطة بقوانين ، من أهمها : أن الملك وراثي في ذرية الملك الذي هو من عائلة الهانوفر من البكر إلى بكره والأنثى تستحق ذلك على شرط أن لا يوجد لها أخ ذكر وإلا فهو أحق بالتقديم وإن كان

--> ( 1 ) هي فكتوريا ( 1819 - 1901 ) ملكة إنكلترا سنة ( 1838 ) عملت على تقارب إنكلترا وفرنسا . نودي بها إمبراطورة الهند ( 1876 ) خلفها على العرش ابنها إدوارد السابع . المصدر السابق ( 529 ) .